الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

216

انوار الأصول

مفعولًا بدون الواسطة ، فإنّ المضارّة تتعدّى بنفسها ، والمعنى حينئذٍ هو النهي عن اضرار الامّ بولدها بترك ارضاعه غيظاً على أبيه لبعض الجهات ، وتمسّكاً بعموم ما يدلّ على عدم وجوب الارضاع عليها ، وعن اضرار الأب بولده بأن يأخذ للولد امرأة مرضعة ويمنع امّه عن ارضاعه ( فيتضرّر منه الولد ) تمسّكاً بعمومات ولايته على ابنه ، وعلى هذا تكون الآية حاكمة على عموم عدم وجوب الارضاع وعموم الولاية . ثانيهما : أن تكون « لا تضارّ » مبنية على المفعول والباء للسببيّة ، والمعنى لا تضارّ الوالدة بسبب الولد بأن يترك مجامعتها خوفاً من الحمل ، ولا يضارّ الوالد بامتناع الامّ عن الجماع خوفاً من الحمل ، وبناءً على هذا المعنى تكون الآية بالإضافة إلى فقرتها الأولى مقدّمة على العموم ما يدلّ على جواز ترك الجماع مدّة أربعة أشهر ، وأمّا بالنسبة إلى الفقرة الثانية فلا حكومة لها على عموم دليل ، لأنّه لا عموم يدلّ على جواز امتناعها وعدم تمكينها ، بل الدليل على العكس فيدلّ على وجوب التمكين وحرمة الامتناع ، فتكون الآية حينئذٍ مؤيّدة لذاك الدليل لا حاكمة عليه . ومنها : قوله تعالى في باب الطلاق : « وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا » « 1 » . حيث ينهى عن الرجوع إلى المطلّقات الرجعيّة وتكراره لا لرغبة فيهنّ بل لطلب الاضرار بهنّ تمسّكاً بعموم ما يدلّ على جواز الرجوع في الرجعيّات في مدّة العدّة ، فتكون الآية حاكمة على هذا العموم . ومنها : قوله تعالى في باب الطلاق أيضاً : « أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ » « 2 » حيث ينهى عن الإضرار والتضييق على المطلّقات في السكنى والنفقة في أيّام عدّتهنّ ، ويكون مفيداً لنا في المقام إذا كان المراد من التضييق الاكتفاء بالمقدار الأقلّ من الواجب بقصد الاضرار بها تمسّكاً بعموم ما يدلّ على جواز هذا الاكتفاء ، فتحكم الآية حينئذٍ على ذلك العموم وتقيّده بغير صورة الاضرار . وأمّا إذا كان المراد منه اعطاء الأقلّ من مقدار الواجب فتكون الآية أجنبيّة عمّا نحن فيه لأنّ الاعطاء هذا بنفسه حرام ، ولا حاجة في إثبات حرمته إلى التمسّك بعنوان الاضرار .

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 231 . ( 2 ) سورة الطلاق : الآية 7 .